
يعرض الكاتب توماس فريدمان المخاطر الاقتصادية والجانب الأخلاقي المترتب على خطة القضاء التي يسعى إليها رئيس الوزراء الإسرائيلي نتانياهو وحكومته، بينما يواجه اتهامات بالفساد، مشيراً إلى قلق العديد من المستثمرين الكبار وأصحاب الشركات الناشئة.
ويقول فريدمان في مقال جديد بصحيفة “نيويورك تايمز”، إن إسرائيل احتلت المرتبة الرابعة بين أفضل أداء للاقتصاد في 2022 بين دول مجلس التعاون الخليجي. وفي 2020، احتلت المرتبة 19 بين أفضل اقتصادات العالم بناء على نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، متقدمة على كندا ونيوزيلندا وبريطانيا.
معجزة اقتصادية
ويضيف “إسرائيل كانت تتمتع بمعجزة اقتصادية في العقود القليلة الماضية، ولا يستحق أي زعيم إسرائيلي الفضل في ذلك أكثر من نتانياهو نفسه، فخلال السنوات الـ 15 الماضية التي قضاها كرئيس للوزراء قام بعمل رائع، في المساعدة على تحويل إسرائيل إلى دولة ناشئة رائدة في العالم”.
ولذلك ينظر العديد من المستثمرين العالميين والإسرائيليين إلى إسرائيل اليوم ويسألون هذا السؤال البسيط: “إذا كان النظام القانوني الإسرائيلي الذي تطور تدريجياً وبشكل تعاوني خلال العقود الماضية فظيع للغاية، فكيف ساعد في إنتاج وحماية المعجزة الاقتصادية الإسرائيلية في الماضي؟”.
ويقول الكاتب إنه “في غياب إجابة ذات مصداقية، فإن الشيء الوحيد الذي يمكن للمرء أن يصدقه هو أن العملية برمتها يقودها مجموعة صغيرة من الأيديولوجيين الاستبداديين اليمينيين المتطرفين، وهي مؤسسة فكرية يمينية متطرفة مستوحاة من رئيس وزراء يبدو يائساً للغاية للهروب من محاكمته في 2020، بتهمة الاحتيال والرشوة وخيانة الثقة لدرجة أنه مستعد لتغيير قواعد لعبة الاحتكار الإسرائيلية بأكملها لتأمين بطاقته الخاصة للخروج من السجن”.
حالة طارئة
ويشير الكاتب إلى أن رئيس إسرائيل نفسه إسحاق هرتسوغ، “يحذر علناً من أن رفض ائتلاف نتانياهو الحاكم الدخول في حوار هادئ وصبور مع المعارضة حول التغيير المقترح للنظام القانوني الإسرائيلي واستقلال المحكمة العليا الإسرائيلية سيمزق الداخل، لافتاً إلى أنها حالة طارئة”.
ويرى فريدمان أنه كقاعدة عامة، لا يحب المستثمرون الاستثمار في البلدان التي تعج بالاحتجاجات والفوضى، وهذا هو السبب في أن البعض بدأ في الضغط على زر الإيقاف المؤقت، ويظهر ذلك جلياً في تصريحات أدلى بها ليو باكمان، رئيس المعهد الإسرائيلي للابتكار (منظمة غير ربحية تعمل كحاضنة لـ 2500 شركة ناشئة)، نهاية الأسبوع الماضي، متحدثاً عن المخاطر التي تنطوي عليها مسألة إصلاح القضاء.
وقال باكمان في تصريحه: “المستثمرون يتراجعون، كنت أعمل مع الوزارات الحكومية لسنوات. كنا دائماً غير سياسيين.. والآن نحن نطلق النار على رؤوسنا في هذا الإصلاح القضائي”.
ولهذا السبب أيضاً، يضيف كاتب المقال المختص بالشأن الإسرائيلي أن “نتانياهو ومستشاره الاستراتيجي رون ديرمر كانا يتحدثان إلى قادة الشركات العالمية والممولين وحتى الاقتصاديين مثل لورانس سمرز، لإقناعهم بالتحول القضائي الراديكالي السريع الذي يفرضونه”.
قلق المستثمرين
وعرض الكاتب تحقيق أجرته إحدى الصحف المحلية الإسرائيلية يظهر فيه أن عدداً كبيراً من شركات التكنولوجيا الفائقة، التي لا يشارك مديروها على الإطلاق في الاحتجاج على الانقلاب القضائي، يسحبون بهدوء الأرصدة النقدية لشركاتهم من إسرائيل. ويظهر فحص لعشرات من شركات التكنولوجيا الفائقة العامة والناشئة أنه اعتباراً من يوم الجمعة الماضي، قررت 37 شركة سحب 780 مليون دولار من الحسابات المصرفية في إسرائيل وتحويل الأموال إلى البنوك في الخارج.
كما ذكرت صحيفة ” تايمز أوف إسرائيل” أن كبار المصرفيين في البلاد التقوا بوزير المالية بتسلئيل سموتريتش وأبلغوه بأنهم يرون “علامات مبكرة” على أن الإصلاح القضائي الجذري المخطط له سيضر بالاقتصاد.
ووفقاً للقناة 12 الإسرائيلية، قال أوري ليفين المدير التنفيذي لبنك الخصم الإسرائيلي، أحد أكبر البنوك في البلاد، لوزير المالية: “نرى زيادة عشرة أضعاف في الاهتمام بفتح حسابات التوفير في البنوك الأجنبية. الشيكل يزداد ضعفاً، وعامل الخطر الإسرائيلي آخذ في الارتفاع. قد نجد أنفسنا في أزمة عميقة”.
تغييرات جذرية
ويأتي ذلك بعد أن حذر أمير يارون، محافظ البنك المركزي الإسرائيلي غير الحزبي، نتانياهو من أن “خطط الائتلاف الحاكم لقلب السلطة القضائية يمكن أن تخيف المستثمرين وتؤثر سلباً على التصنيف الائتماني للبلاد”.
كما نقل فريدمان عن أحد أهم مستثمري التكنولوجيا الفائقة المخضرمين في إسرائيل، والذي طلب عدم الكشف عن هويته قوله في حوار خاص: “الناس قلقون للغاية من أن قواعد اللعبة يتم تغييرها من جانب واحد. سواء كانت إسرائيل اشتراكية أو رأسمالية، كانت الحكومة ومجتمع الأعمال يجلسون دائماً معاً ليصلوا إلى ما هو الأفضل للبلاد. الآن هؤلاء الرجال يحدثون تغييرات جذرية من جانب واحد، وهو ما يُشعر الناس بالتهديد لأنهم لا يعرفون ماذا سيكون الاقتراح التالي غداً” .
وأضاف أن “المستثمرين والمبتكرين الدوليين والإسرائيليين بحاجة إلى تحديد مكان تسجيل شركاتهم في أمريكا أو أوروبا أو إسرائيل ومكان وضع أرباحهم، وإذا استمر هذا الانقلاب القضائي الراديكالي، فسترى المزيد والمزيد من الشركات تسجل في الخارج وتنقل مواردها إلى الخارج. هذا هو السبب في أن التقنيين الإسرائيليين الشباب، الذين تتودد إليهم كل شركة تقنية كبرى في العالم، يتساءلون الآن عما إذا كان ينبغي عليهم البقاء”.