
بتكوين في مهب الريح.. أزمة غرض
تواجه عملة Bitcoin، أكبر عملة مشفرة في العالم من حيث القيمة السوقية، واحدة من أعقد مراحلها منذ انطلاقها قبل أكثر من عقد ونصف، بعدما تراجعت بأكثر من 40% عن ذروتها الأخيرة، وسط تحولات جوهرية في خريطة الأسواق المالية العالمية.بتكوين في مهب الريح.. أزمة غرض

وبينما اعتادت العملة على التعافي السريع عقب كل موجة هبوط، يبدو أن الأزمة الحالية تتجاوز مجرد تراجع سعري عابر، لتطرح سؤالاً أعمق يتعلق بهويتها ووظيفتها في النظام المالي الحديث.
تحوّل في بوصلة المستثمرين
ورغم الدعم التنظيمي المتزايد في واشنطن، والانفتاح المؤسسي غير المسبوق، فإن بريق بتكوين بدأ يخفت أمام بدائل أخرى أكثر وضوحاً في الوظيفة.
فقد تحولت الأنظار إلى العملات المستقرة باعتبارها أداة دفع فعّالة، في حين عزز الذهب والفضة موقعهما كملاذات آمنة وسط التوترات الجيوسياسية وضعف الدولار.
كما كشفت البيانات عن نزوح تدفقات بقيمة 3.3 مليار دولار من صناديق بتكوين الفورية خلال ثلاثة أشهر فقط، في مقابل تدفقات قوية إلى صناديق الذهب المتداولة، ما يعكس تغيراً ملموساً في شهية المخاطرة لدى المستثمرين.
منافسة جديدة تسحب البساط
لم تعد العملات المشفرة وحدها ساحة المضاربة المفضلة.
فقد برزت منصات التنبؤ مثل Polymarket وKalshi كمراكز جذب للمتداولين الباحثين عن أرباح سريعة، مستفيدة من طبيعة رهاناتها الثنائية المرتبطة بأحداث واقعية.

في الوقت نفسه، أضافت منصة Coinbase Global Inc عقود تنبؤ إلى خدماتها، في إشارة واضحة إلى انتقال شهية المضاربة إلى مجالات جديدة خارج الإطار التقليدي للعملات المشفرة.
من رمز تحرر إلى أداة تقليدية
وشهدت السنوات الأخيرة تحول بتكوين من رمز للامركزية والتحرر المالي إلى أصل مالي تقليدي مدرج ضمن قوائم التداول في وول ستريت، مع توفر عقود خيارات ومنتجات تحوط معقدة.
هذا التحول المؤسسي، الذي كان يُفترض أن يعزز شرعيتها، ساهم في تجريدها من هالتها الفريدة التي جذبت ملايين المستثمرين في بداياتها.
ورغم استمرار الحديث عن ندرتها وسقفها المحدد عند 21 مليون عملة، فإن وفرة المنتجات الاستثمارية المنافسة باتت تقلص من جاذبية تلك الندرة.
مرونة تاريخية… ومستقبل غامض
على مدار تاريخها، نجت بتكوين من أزمات كبرى، أبرزها انهيار منصة Mt. Gox وحظر التعدين في الصين وهبوط عام 2022، لتعود في كل مرة وتسجل مستويات قياسية جديدة.
هذه المرونة منحتها قدراً من الشرعية والثقة.
لكن التحدي الحالي يختلف؛ إذ لا يتعلق بانهيار مفاجئ أو أزمة تنظيمية، بل بتآكل تدريجي في السردية التي دعمت صعودها لسنوات.
فبينما يراها البعض أصلاً مضاربياً بحتاً، لا يزال آخرون يؤمنون بقدرتها على إعادة تعريف دورها في الاقتصاد الرقمي.
خاتمة
تبقى بتكوين أكثر الأصول الرقمية سيولة وانتشاراً، إلا أن معركتها اليوم ليست مع منافس مباشر، بل مع سؤال جوهري حول غرضها في عالم تتسارع فيه الابتكارات المالية.
وبينما يراهن المتفائلون على قدرتها التاريخية على الصمود، يرى المتشككون أن المستقبل سيُحسم بمدى قدرتها على استعادة سردية مقنعة تعيد إليها الزخم المفقود.






